ليس أكثر إدهاشًا من متابعة المشهد السياسي والإعلامي في لبنان، حتى ليخيَّل إلى المتابع أنه أمام مزيج من الكوميديا والتراجيديا في آن واحد.
فكم من المواقف تتبدل، وكم من القناعات تتغير، لا بفعل مراجعة فكرية أو قراءة نقدية للتجارب، بل تبعًا لموازين القوى وتقلبات المصالح.
في هذا المشهد، برز بعض العاملين في السلطة الرابعة وكأنهم يتعاملون مع الرأي العام بمنطق السوق؛ فالموقف يصبح قابلًا للتعديل، والخطاب يتلون وفق اتجاه الريح، حتى غدا الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو العكس، أمرًا لا يحتاج إلا إلى تبدل موازين النفوذ والمصلحة.
الأكثر إثارة للاستغراب أن من كانوا بالأمس يدافعون بشراسة عن خطاب معين، ويقدمونه على أنه الحقيقة المطلقة، أصبحوا اليوم يهاجمونه بالحماسة نفسها، محاولين إقناع الناس بأن «المرحلة تغيرت»، وأن «المرونة السياسية» تفرض هذا التحول، وكأن الذاكرة العامة قصيرة إلى هذا الحد.
ليس العيب في أن يراجع الإنسان أفكاره إذا استند إلى قناعة فكرية صادقة، فالمراجعة فضيلة.
أما أن تتحول المواقف إلى سلعة، وأن يصبح الإعلام مجرد منصة لتبديل الولاءات تبعًا لمراكز النفوذ، فذلك يطرح أسئلة عميقة حول صدقية الرسالة الإعلامية ودورها في خدمة الحقيقة.
ويُروى عن أحد كبار الصحافة اللبنانية قوله: «علّمتني الحقيقة أن أقول عكسها فما استطعت.» وبين هذه المقولة وواقع بعض الإعلاميين اليوم، تبدو المسافة شاسعة؛ إذ إن المشكلة لم تعد في تبدل الوقائع، بل في تبدل الضمائر.


